ابن الجوزي

280

صفة الصفوة

القسم الثاني : من لا يعرف اسمه من عبّاد جبل اللكّام 863 - عابد أبو سليمان الدّاراني قال : مررت في جبل اللّكّام في جوف الليل فسمعت رجلا يقول في دعائه : يا سيدي وأملي ومؤمّلي ومن به تمّ عملي أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك ، وأعوذ بك من قلب لا يشتاق إليك ، وأعوذ بك من دعاء لا يصل إليك ، وأعوذ بك من عين لا تبكي عليك فعلمت أنه عارف فقلت له : يا فتى إن للعارفين مقامات ، وللمشتاقين علامات . قال : وما هي ؟ قلت : كتمان المصيبات ، [ وصيانة ] « 1 » الكرامات ، فقال لي عظني . فقلت : اذهب ولا ترد غيره ولا تردّ خيره ولا تبخل بشيئه عنه . قال : زدني . قلت : اذهب فلا ترد الدنيا ، واتخذ الفقر غنى ، والبلاء من اللّه عزّ وجل شفاء ، والتوكل معاشا ، والجوع حرفة ، واتخذ اللّه لكل شدّة عدّة صعق صعقة فتركته . 864 - عابد آخر جعفر بن محمد سهل السامريّ قال : سمعت ذا النون يقول : بينا أنا سائر في جبل اللّكّام مررت على واد كثير الأشجار والنبات . فبينا أنا واقف أتعجّب من حسن زهرته ومن خضرة العشب في جنباته إذ سمعت صوتا أهطل مدامعي وهيّج بلابل حزني ، فاتّبعت الصوت حتى وقفني بباب مغار في سفح ذلك الوادي ، فإذا الكلام يخرج من جوف المغار فاطّلعت فيه فإذا أنا برجل من أهل التعبد والاجتهاد . فسمعته يقول : سبحان من أخرج قلوب المشتاقين في رياض الطاعة بين يديه ، سبحان من أوصل الفهم إلى عقول ذوي البصائر فهي لا تعتمد إلا عليه ، سبحان من أورد حياض المودّة نفوس أهل المحبة فهي لا تحنّ إلا إليه . ثم أمسك فقلت : السلام عليك يا حليف الأحزان وقرين الأشجان . فقال : وعليك السلام ، ما الذي أوصلك إليّ من قد أفرده خوف المسألة عن الأنام ، واشتغل بمحاسبة نفسه من التّنطّع في الكلام ؟ قلت : أوصلني إليك الرغبة في التصفح والاعتبار . فقال : يا

--> ( 1 ) وردت في المطبوع ( وصيانات ) .